عمر فروخ

342

تاريخ الأدب العربي

النظرة القاتمة إلى المستقبل عموما . وابن الرومي كان كارها للحياة لا يرى في الدنيا أكثر من طريق إلى الآخرة . إنه كان أيضا مغرورا غرور ضعف : يعتقد أنه مظلوم في الحياة الدنيا ، فهو أبدا يشكو إدبار الدنيا عنه وإقبالها على من هم أقلّ منه قيمة . وكذلك كان سئ المخالقة للناس قليل الاحتفال بهم كثير التوثّب عليهم يهجو الأكابر وينابذ الأصدقاء حتى قطعه الناس وكرهه من كان له محبّا . ومن سوء سلوكه في المجتمع أنه كان نهما كثير التطلّب للطعام رديء التناول له مع الجشع . وأدرك ابن الرومي أخيرا أنه قد خسر معركة الحياة وخاب في فرض إرادته على مجراها فاندفع مع التيار وانغمس في لا مبالاة مطلقة . وعلى هذا قوله : لاح شيبي فرحت أمرح فيه * مرح الطرف في العذار المحلّى « 1 » . وتولّى الشباب فازددت ركضا * في ميادين باطلي إذ تولّى . إنّ من ساءه الزمان بشيء * لأحقّ امرئ بأن يتسلّى ! ابن الروميّ شاعر مطبوع يجري في شعره على السليقة ولا يتكلّف أبدا ، على الرّغم من أنه طويل النفس ، فقد يبلغ بالقصيدة نحو ثلاثمائة بيت . وابن الرومي يهتمّ بالمعاني أكثر من اهتمامه بالألفاظ . والمعاني في شعره كثيرة وفيها ابتكار . إن ابن الروميّ مغرم بالمعاني : « يؤثر المعنى على اللفظ فيطلب صحّته ثمّ لا يبالي حيث وقع ( معناه ) من هجنة اللفظ وقبحه وخشونته » ( العمدة 1 : 106 ) . بعدئذ تراه يأخذ المعنى الواحد فيقلّبه على جميع وجوهه حتّى لا يترك فيه ناحية . وابن الروميّ ميّال إلى استيفاء المعنى في مكان واحد من القصيدة ( وهذا ما يسمّيه بعضهم « وحدة الموضوع » ) ، إذ تراه يعالج المعاني أحيانا ويناقشها ويجمع أطرافها ويربط بعضها ببعض ربطا يكاد يكون منطقيّا حتّى ليخيّل إليك أنه يكتب مقالة لا ينظم قصيدة . أما ألفاظه فهي فصيحة مألوفة ولكنه أحيانا يردد الصيغ المختلفة من الجذر الواحد ترديدا غير مستحسن ، كقوله :

--> ( 1 ) الطرف : العين ، النظر . العذار : الشعر النابت في الوجه . - يقول : كسرور العين من النظر إلى وجه بدأ الشعر ينبت فيه ( كناية عن النضارة والشباب ) .